الخميس، 8 ديسمبر، 2011

الخوف عند الأطفال



التغلب على الخوف عند الأطفال

كيف يكتسب الأبناء والبنات الثقة بالنفس فتصبح الشجاعة من مقومات شخصيتهم؟ 
وكيف نبعد الخوف المرضي عن نفوسهم كي تتمتع النفوس بالطمأنينة وتنعم بالراحة؟

البواعث التي تدفعنا للخوف كثيرة ولولا الشعور بالخوف الطبيعي لما خشي الطفل من اللعب بالنار أو في الأماكن الغير آمنه، فالخوف من المثيرات: انفعال غريزي يدفع للحماية ولكن المبالغة في كل الأمور تسبب وساوس لا نهاية لها فتؤرق القلب، وترهق البدن، وتعطل الفكر، وتتعذر معها السيطرة على أمور داخلة في نطاق قدرات الطفل. تتفاوت درجات الخوف في النفس فهناك الخوف الطبيعي لأسباب واقعية ومنها الخوف الناتج من تجارب مؤلمة وتشكل لاحقا نظرة تشاؤمية عند الطفل.
الخوف عبارة عن شعور بانقباض القلب وإحجام عن التقدم بأمان أمام مواقف معينه نتيجة لتوقع المكروه واقتراب من الضرر. والطفل الذي يعاني من الخوف يهاب من أيسر شيء يطلب منه، ويخاف من أدنى صوت يطرق سمعه فيبتعد عنه فلا بد من توفير بيئة آمنة يتدرب فيها على الثقة بالنفس والمواجهة السليمة وبالتدريج يتحمل مسئولية أعماله بنفس مليئة بالتفاؤل ويتخلص من المخاوف الوهمية (تخيل اللصوص) أو السمعية (الفزع من صوت المكينة) أو البصرية (الظلام). يحتاج الطفل إلى قدر معقول من الشعور بالخوف من الغرباء، ومواطن الخطر، والآلات الحادة كي يكون حذراً من كل أمر يهدد سلامته فيتجنب المخاطر بسهولة.

منذ الأشهر الأولى للطفل فإنه قد يخاف من الضوضاء ويشعر بفراق الأم التي تمثل له الغطاء الحامي من جميع الأخطار، وتزداد المخاوف وتتنوع كلما دخل في مراحل عمرية جديدة تتطلب خبرات واكتشافات أكثر وأعمق ويبدأ الطفل رويدا رويدا حتى يطور مهارات الدفاع عن نفسه ويشكل طرقه الخاصة به للتعامل مع المستجدات والمثيرات من حوله دون كبير اعتماد على والديه. يخاف الطفل في مرحلة اللعب من الإصابة والجروح وفي مرحلة الدراسة قد يخاف من الذهاب إلى المدرسة نتيجة لخبرات غير سارة. تختفي معظم المخاوف البسيطة التي تتكون في مخيلة الطفل مع الوقت وبقليل من التوجيه فلا تدعو للقلق طالما أنها لا تمثل عقبة تمنع نمو وحركة الطفل.

أسباب الخوف المفرط1. التعرض لمواقف غير معتادة وبلا تهيئة فالطفل ربما ينفر من الاقتراب من الجمل في البر إذا لن يكن اعتاد ذلك ولن تجدي كلمة: كن شجاعاً؟
2. صفع الولد لتأديبه فإن الإفراط في الشِّدة على الأطفال مضرَّة بهم وخاصة الصِّغار منهم لأنَّ الشِّدة تدفع الطفل إلى الخوف والجبن والكذب والكَسل. قال ابن خلدون في مقدمته "وذلك أنَّ إرهاف الحد في التَّعليم مضرٌ في المتعلم سِيَّما في أصاغر الولد لأنَّه من سوء المَلكة. ومَنْ كان مُرَباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النَّفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخُبث وهو التَّظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه". الرفق يجلب لنا الطمأنينة، والطمأنينة من أهم مستلزمات تأسيس الشخصية السوية وبناء الأسرة المسلمة.
3. التصورات الخاطئة فقد يقوم الكبار بصنع أوهام كثيرة وتكون النيات حسنة ولكن الوسائل غير سليمة. يقول البعض للطفل "إذا لم تنم فالقطة ستأكلك" و "إذا لم تذهب للمدرسة فسيقبض عليك المارد" و"إذا جن الليل فسيخرج العملاق" و"إذا خرجت من الدار فسيسرقك اللص"... وعلى سبيل المزاح نوهم الطفل بأننا سنلقي عليه شيئا ثقيلا أو فيه خطورة وهو مزاح منهي عنه شرعا ويجلب المشاكل. هذه الطريقة تجعل نفس الطفل مطيعة للأوهام، مؤمنة بها، مستسلمة لها.
4. النقد القاسي واللوم المستمر للطفل مما يسبب التقليل من قدراته الحقيقية.
5. قد تكون الأسرة مصدر الخوف لسياساتها التسلطية في التعامل أو لانتشار البدع والخرافات فيها فينشأ الطفل ولا يعرف مبادئ التفكير الموضوعي ويؤمن بأوهام يعتقد أنها حقائق كما أنه يسمع القصص المرعبة فتثير خياله الطفولي ويصدقها.
6. التعرض لفواجع كبيرة كفقد الأم أو التعرض لحادث مروري مروع، أو تعرض الوطن لغارات جوية.
7. استهزاء الأهل أو الأقران "أنت خواف" "جبان".
8. التهديد بعظائم الأمور وبكلمات يأخذها الطفل مأخذ الجد "سأكسر يدك" "اذهب قبل أن أذبحك""سوف أقذف بك من السطح".
9. التعليم السلبي: ويكون بالتخويف بالأب أو الشرطي أو المعلم والطبيب : "اسكت وإلا حقنتك بإبرة الطبيب" ...
10. البيئة المليئة بالتوتر والشحناء والقلق وهذه البيئة في الأغلب هي الأسرة أو المدرسة. قد يخاف الأب من الأماكن العالية أو الأم تتضايق من الأماكن المزدحمة أو عندما تشاهد الحشرات فيقتنع الطفل بأشياء ينبغي أن لا يخاف منها أبداً لو فكر بصورة منطقية ولكنه يربط استجابة الكبار بمثيرات معينة فيقرن الفعل بالرد فتترسخ هذه السلوكيات في ذهنه.
المظاهر

أعراض الحالة:
يمكن التعرف على الطفل الذي يعاني من الخوف المفرط من خلال ظهور صفة أو أكثر من الصفات التالية وبصورة متكررة:
1. يحب الطفل الحماية الزائدة فهو اتكالي حتى في قضاء أبسط حاجياته.
2. التردد وتغليب الإحجام على الإقدام واختيار التأخر لا التقدم.
3. الابتعاد عن المبادرة في اللعب وعدم اقتراح الأفكار.
4. ضعف الثقة بقدراته الفعلية فلا يواجه المشكلات ويرفض اتخاذ القرارات.
5. سرعة الانفعال وعدم السيطرة على الحالة الذهنية تحت الظروف العادية.
6. تجنب الظلام التام والوحدة بكافة صورها.
7. الخوف من المدرسة ومن الضيوف في البيت.
8. قد تمتد المخاوف والتوترات إلى مرحلة اللاوعي فيعاني الطفل من كثرة الأحلام المخيفة الغامضة التي تعكس حالته المنزعجة وأوهامه المكبوتة.
9. التحدث أو التفكير بالعفاريت والخرافات والأساطير السخيفة في نظر الكبار ولكنها مخيفة في عقول الصغار.
10.التهرب من جميع الألعاب المرحة التي تتضمن بعض التحديات رغم أنها آمنه يستمتع بها في الأماكن الترفيهية كل من هم في عمره.
11. صعوبة التمييز بين الخطر الحقيقي وبين نسج الخيال.
12. يبدي الطفل ردود فعل تفوق طبيعة الخطر القريب منه وعنده مبالغة في تصور عواقب الأمور فيعتقد أن المرض لن يبرح جسده مثلاً أو أنه سيترك آثاراً لا تزول.
13. تظهر أعراض جسدية تخبر بحالة الطفل المتوترة كسرعة التنفس، واللجلجة في الكلام، والعرق الزائد، وفقدان شهية الأكل.

الوقاية والعلاج1. تجنب أسباب الخوف التي سبق أن ذكرناها.
2. إبعاد ما هو مخيف للطفل مؤقتاً حتى يذهب الخوف الشديد ولتوفير بيئة خالية من المخاطر التي يهابها الطفل حتى يتم العلاج السلوكي ويألف الطفل الموقف بالتدريج ويتخلص من الأوهام دو إكراه.
3. يجب أن يستمع الكبار دائما للطفل لنتفهم مشكلته الجلية والخفية فننصت إليه وهو يعبر عن مخاوفه المكبوتة ولا نسفه مشاعره المحبطة. الحوار العقلاني من الأساليب الفاعلة في توسيع مدارك الطفل وتوجيهه بعد اكتشاف مصادر الخوف وتخفيف وتجفيف آثاره من خلال العلاج المنهجي.
4. الاعتدال في حماية الولد ومعاملته بطريقة متوازنة مع ضرورة تعويده على أداء مهامه التي يستطيع الوفاء بها بنفسه دون كبير اعتماد على غيره.
5. تجنب البرامج التلفزيونية المخيفة، والأخبار الفظيعة التي تحكي تفاصيل دموية وتتضمن مشاهد عدوانية.
6. انتقاء القصص البعيدة عن السحر والأوهام والتركيز على القصص التي تبث معاني الإيمان والتفاؤل والثبات والشجاعة.
7. التركيز على المهارات الحياتية وتطويرها (حل المشكلات - تكوين العلاقات الاجتماعية - التحكم بالانفعالات وضبط النفس).
8. اختيار الألعاب المسلية التي تحمل قيم صحيحة فالألعاب الخشبية أو البلاستيكية الصغيرة للحيوانات وغيرها عندما تكون في يد الطفلة فإنها تضفي السرور، وتزيل التوترات، وتكسب الخبرات فتألف الطفلة مناظرها ولا تخاف في المستقبل من الاقتراب منها ولمسها وإطعامها. وكذا الطفل الذي يلعب بألعاب تعلي من شأن الفروسية والرماية والسباحة والجري فإن اللعب المبكر المستمر ينمي في فؤاده تدريجياً الشجاعة ويعطيه جرعات منظمة من التهيؤ النفسي بل قد يتعلم مهارات حركيه أثناء اللعب تزيل لاحقا الرهبة من نفسه وتبعد الأوهام التي تداهمه وتكبل حركته على مستوى الخيال أولا ثم على مستوى الواقع ثانيا.
لا بد من التأكيد على أن الكثير من الألعاب الترفيهية (في المحلات التجارية - في الإنترنت) تتضمن على مفاهيم خاطئة كأن تخوف الطفل من الأسماك البحرية كلها أو تجعل الطفل يخشى الاقتراب من الحيوانات والحشرات الأليفة لهذا فلا بد من حسن انتقاء الألعاب وفحص المحتويات كافة منعاً من تدريب الطفل على مواقف قد تمتع الطفل ويضحك ومنها ولكنها تغرس فيه مفاهيم نفسية سلبية تجعله يبتعد من أمور يفترض أن يقترب منها. يجب أن يقترن المقصد النبيل الخاص بتسلية الطفل بوسائل سليمة لا تسمح بتسلل الأفكار الضارة ولهذا يستحسن انتقاء البرامج والألعاب التي تخضع لمراقبة تربوية من مؤسسات تخصصية.
9. التشجيع الدائم على كشف أخطاء النفس وعدم التحرج من معالجتها مع الوالدين بشرط إفساح المجال للطفل للاستفسار بحرية تامة ودون استهزاء. لا يتحقق ذلك إلا بتجنب الصراخ في وجه الطفل فالقسوة تولد الحواجز النفسية التي تعقد الأمور.
10. أن يتحلى الأهل بالشجاعة والصبر والثبات في مواجهة أزمات الحياة فعين الطفل راصدة ونفسه مقلدة.
11. لا يسمح ولي أمر الطفل باللعب القائم على أساس التخويف والرعب فلا يسمح أبداً باستخدام أي أداة من الأدوات الحادة بغرض المرح ولا يكون المزاح بالترويع لاسيما إذا جن الليل.
12. شرح الأحداث الكبيرة (الموت - صفارات الإنذار - الحوادث المرورية) ويجب أن نراعي في عملية الإقناع العقلي التدرج وبطريقة مبسطة تناسب عمر الطفل.
13. لا نقرن حبنا بمواقف يعجز عن أدائها الطفل "إذا شعرت بالخوف فلن نحبك" فنحن نحبه دائماً ولكننا لا نحب المبالغة في الخوف ونكون سعداء إذا تخلص الطفل من الخوف. الحب كلمة راسخة أكبر من أن نسحبها ببساطة ولا ينبغي أن نعلقها بمواقف متقلبة.
14. إشاعة الكلمات الإيجابية (أستطيع - أقدر - بإذن الله تعالى) ونبذ الكلمات المحبطة (رعديد - جبان - خواف).
15. الحذر من التشهير بالطفل فإن مواقفه السلبية تؤذي مشاعره فلا ينبغي أن نذكر لأقرانه شدة خوفه وهلعه من رؤية القطة والفأر.
16. لا نقذف به فجأة في مواقف يخاف منها فالإجبار ليس حلاً فإذا كان الطفل يخشى البحر فلا نحمله معنا عنوة في الماء كي يعتاد الأمر كرهاً وكذا إن كان يخاف من النمل فلا نضع بين يديه ما يخاف منه فالرفق والتدرج دائماً أساس التربية السليمة. قال الحق سبحانه لنبيه في سورة آل عمران "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)". وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " عليك بالرفق ؛ فإنه لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".
17. تشجيع اللعب الآمن (الركض والمطاردة في الأماكن الآمنة) ومنع اللعب العنيف والمكافأة من أشكال تعزيز السلوكيات الحسنة التي تتسم بالشجاعة.
18. تعليم الأطفال المهارات السليمة في اللعب فقيادة الدراجة تتطلب لبس غطاء الرأس الواقي وتركه لأن معظم الأطفال لا يلبسونه والتساهل فيه لأن الطفل يجب أن يكون شجاعاً من الأعذار الواهية التي تتنافي مع تعليمنا للطفل بشكل صحيح كي يبذل الأسباب ويتوكل على الله سبحانه فالذي يترك لبس حزام الأمان في السيارة لا يتصف بالشجاعة ولكنه مخالف لأبسط معايير السلامة.
19. تحصين الطفل بالأدعية القرآنية والنبوية فهي وقاية من كل مكروه وراحة لكل قلب فيشعر الطفل بأن الله سبحانه هو الحافظ فيحرص الصغار والكبار معاً على حفظ آية الكرسي والمعوذتين ويستمر الجميع على ترديد الأدعية باستمرار مع فهم المعاني بما يتسق مع أعمارهم.
20. تشجيع الطفل على مخالطة الصحبة الصالحة التي تتحلى بفضائل الأخلاق فتراعي قيم المبادرة الإبداعية والثقة بالنفس وتحري ترك البذاءة والسلوكيات العدوانية القمعية لأنها تنافي الشجاعة.
21. بناء علاقة وثيقة مع المدرسة لمتابعة سلوكيات الطفل والتأكد من عدم تعرضه لعقوبات قاسية وامتحانات مفاجئة لم يتمرن على طرق أدائها والتأكد من أن الأجواء المدرسية خالية من التهديدات التي يمارسها رفاق السوء في غياب الإدارة المدرسية الحازمة اليقظة.
22. تدريب الطفل على سلسلة استراتيجيات لمواجهة الخوف والتعامل معه وفق خطوات منهجية (التحكم في التنفس - طرد الشعور السلبي والأفكار الغامضة - ترديد الكلمات الشجاعة القائمة على الإيمان - التحرك الصحيح حسب متطلبات كل موقف - ترك التردد - التوكل على الله سبحانه فهو خير الحافظين - إغفال التعليقات السلبية المثبطة وعدم الاكتراث باستخفاف الأقران لأنها تقود إلى الإخفاق والشعور بالنقص والخوف).

الخاتمةهل تعتبر النقاط السابقة الذكر كافية لتجنب أو معالجة مشكلة الخوف عند الطفل؟
لا شك أن معرفة أسباب الوقاية وممارسة سبل العلاج تحد من وقوع أو تفاقم الكثير من الإضطرابات السلوكية الشائعة مثل الخوف. القائمون على شئون الأسرة هم أقدر الناس على تفادي المشكلات وتقدير أنسب السبل لمعالجة الأمور وتظل الطرائق السابقة مادة يمكن الاستعانة بها، والاختيار منها حسب مقتضيات كل موقف، وطبائع الطفل، وعمره، ودرجة المشكلة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق